السبت، 05 أبريل 2025

12:34 ص

العلاقات العمانية المصرية.. بين الحاضر والماضي

عبر ميناء “سمرهم” في عمان كانت تجارة اللبان تنتقل إلى مصر الفرعونية والبابليين والآشوريين والأحباش، اهتم الفراعنة باللبان العماني من أجل التحنيط، والطقوس المقدسة التي يجريها كهنة المعابد الفرعونية.

ووجدت نقوش شبيهة بالسفن العمانية على جدران المعابد الفرعونية، وفي العام 1495 ق. م، سيرت الملكة حتشبسوت حملة إلى بلاد بونت (بونت قد تكون جنوب الجزيرة العربية كظفار وسقطرى وحضرموت وشرق أفريقيا، أو أرض اللبان...) وعادت محملة بالأخشاب واللبان والعطور والبخور والكحل وجلود الحيوانات... وفقا للنقوش المدونة على معبد حتشبسوت.
كان العمانيون وعرب جنوب الجزيرة تجارا ووسطاء بين الروم والفرس والهنود والمصريين، حيث اشتغلوا بتجارة الأخشاب والعاج والحرير والذهب والخيول وغيرها عن طريق ميناء ظفار ومرباط بحرا وبرا إلى ميناء عدن ومكة وجدة ثم إلى مصر.
عندنا جاء البرتغاليون إلى بحر العرب عام 1507 م على إثر التقسيم المقدس للبابا ومناطق النفوذ في العالم المكتشف حديثا، عقدت الدولتان إسبانيا والبرتغال معاهدة تسمى توردسيلاس عام 1493 م، كان الهدف من المعاهدة حل الخلاف الذي نشأ بعد عودة كريستوفر كولومبوس وطاقمه، حيث أراد المستكشف فاسكو ديجاما ومن بعده القائد العسكري دي البوكيرك تحويل مجرى النيل إلى البحر الأحمر انتقاما لهزيمة الصليبيين؛ كما قاموا في نفس الوقت باحتلال عمان لعلمهم مدى الارتباط بين الطرق البحرية من بحر العرب عُمان ومصر.

كان البابا ألكسندر السادس مهتما بتحقيق هذا الهدف؛ لذلك بارك فاسكو ديجاما، واعتبر أن رحلته هي الحملة الصليبية الأخيرة، وأن فشل الحملات الصليبية قد أدى إلى التفكير في بدائل لإضعاف مصر وتجويع شعبها.
 

وإذا درسنا تاريخ حملة فاسكو ديجاما سنكتشف أن الهدف الرئيس كان البحث عن بديل لطريق التجارة المصري الذي كان يتم عبره نقل البضائع من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وذلك قبل إنشاء قناة السويس، وكان هذا الطريق يشكل مصدر مهما لازدهار مصر وتقدمها.
وأيضا عندما شن نابليون حملته العسكرية على مصر عام 1798 م أرسل نابليون إلى إمام عمان آن ذاك سلطان بن أحمد رسالة تطمئنه بأن المصالح العمانية لن تضار أو تتأثر بالحملة الفرنسية على مصر ورغبته في عقد تحالف ومعاهدة مع عمان، إلا أن سلطان بن أحمد رفض هذا التحالف.


في عام1979 م كان مدخل البحر الأحمر في خطر، حيث إن الدولتين المطلتين عليه - اليمن الجنوبي الشعبي واليمن الشمالي- في حالة حرب، وتزامن ذلك مع قيام الثورة الإيرانية، والاحتلال السوفيتي لأفغانستان، كان مدخل البحر الأحمر في خطر وبحر العرب والخليج في خطر الإغلاق للتنافس الدولي حينها، مما أوجب التنسيق بين مصر وسلطنة عمان من أجل سلامة وأمن الملاحة.
 

ظل التعاون تاماً ومستمراً بين سلطنة عمان ومصر إلى حد أن الثقة والتعاون بين البلدين أدت إلى استعانة الخارجية العمانية بسفراء مصريين لتمثيل سلطنة عمان (شغلوا مناصب سفراء لعمان) مع بداية عصر النهضة، ومن هؤلاء السفراء:
١- السفير محمود أبو النصر: الذي تولى منصب مندوب عمان لدى الأمم المتحدة في نيويورك.
٢- السفير مصطفى كمال مرتجي: الذي عين سفيراً لسلطنة عمان في إيطاليا ومندوباً لدى منظمة الفاو.
٣- السفير كمال هجرس: الذي عمل سفيراً لسلطنة عمان لدى فرنسا.
٤- السفير محمود زكي الدسوقي: الذي كان سفيراً لعمان في ألمانيا الغربية.
لم يقتصر التعاون الدبلوماسي على ذلك، بل إن القانون الدبلوماسي العماني حتى تعديله عام 1990 م كان في أغلبه منقولا من القانون المصري، كما كانت القاهرة مقراً للسفراء غير المقيمين في سلطنة عمان، وطوال السنوات السابقة كانت هناك زيارات متبادلة للدبلوماسيين في كلا البلدين، ودائما ما كانت سلطنة عمان داعمة لموقف مصر في كثير من القضايا، نذكر بعضا منها.


تجلى التعاون في مناحي ثقافية وعلمية مختلفة رغم معارضة بريطانيا بداية من القرن التاسع عشر لأي تعاون ثقافي أو علمي، فقد كانت بريطانيا ترفض قدوم كثير من العمانيين للتعليم في مصر وتنصحهم بالتعليم في دول أخرى مثل العراق ولبنان وغيرها، باعتبار أن مصر كانت تمثل جبهة معارضة لبريطانيا وخوفا من تأثر العمانيين بالحركات السياسية المقاومة للإنجليز، رغم ذلك قدم عدد كبير من العمانيين للدراسة في مصر ونشرت كثير من المطبوعات والكتب في مطابع مصرية، ودرس كثير من العمانيين بمدارس مصر وجامعاتها، وكتبوا في صحفها ومجلاتها.   

إن ما عرف عن السلطان قابوس - رحمة الله عليه- من العزوف عن حضور القمم العربية، إلا أنه كان حريصا على حضور قمة الدار البيضاء في مايو 1989 م للحرص على عودة مصر إلى مكانتها في جامعة الدول العربية بعد قطيعة، كما تجلى ذلك باختيار السلطان قابوس أن تكون مصر وبالتحديد شرم الشيخ أحد مقاره الخاصة.
فقد قال رحمة الله عليه "لقد ثبت عبر مراحل التاريخ المعاصر أن مصر كانت عنصر الأساس في بناء الكيان والصف العربي، وهى لم تتوان يوما في التضحية من أجله والدفاع عن قضايا العرب والإسلام، وإنها لجديرة بكل تقدير"
وفي حديث للوزير السابق يوسف بن علوى قال "السلطان قابوس قال لنا إن مصر دولة كبرى وليست فى انتظار الدعم من أحد، وأن مصر قدمت الكثير للعرب، ومن حقها علينا أن نقف معها، لكن لا يمكن أن نظهر متباهين بهذا الموقف، لأنه مهما فعلنا لن نوفى لمصر حقها، ولا يجوز لأي دولة التباهي في مواجهة مصر، وكانت هذه سياستنا وستظل تجاه الشقيقة الكبرى مصر، وطلبنا من كل المسئولين المصريين أن يكون تعاملنا معهم بعيداً عن الإعلان والأعلام".
الموقف الثابت والواضح لسلطنة عمان بعد كامب ديفيد واستمرار العلاقات بين سلطنة عمان ومصر وعدم الانسياق وراء دعوات المقاطعة التي تبنتها كافة الدول العربية لهو بيان جلي واضح لخصوصية ومكانة العلاقة بين الدولتين.
كما تجلى ذلك في موقف عمان الثابت من دعم أي مرشح مصري لدى المنظمات الإقليمية والدولية، إلى الحد أن سلطنة عمان سحبت مرشحها لصالح ترشح الوزير فاروق حسني ليكون مديرا عاما لمنظمة اليونسكو، ودعم عمان لبقاء أمين عام جامعة الدول العربية مصري الجنسية.


إن زيارة وزير الخارجية المصري  بدر عبد العاطي إلى سلطنة عمان في الفترة من 5 إلى 7 فبراير 2025م  كانت أهم المحاور التي جرى من خلالها التنسيق بين البلدين هو أمن الملاحة وسلامة المرور في البحر الأحمر، إن أمن الملاحة والمرور في البحر الأحمر في غاية الأهمية على مر العصور بالنسبة للدولتين، فما يعتبر خطراً على قناة السويس فهو واصل وممتد لا محالة إلى بحر العرب وسلطنة عمان، ويعتبر هذا المحور هاماً لمرتكزات الأمن القومي العماني والعكس صحيح، فأي خطر يوجَد في بحر العرب واصل وممتد  إلى البحر الأحمر وقناة السويس وهي أهم مرتكزات الأمن القومي المصري على مر العصور.


إن كثيراً من اللقاءات الأخيرة سواء على مستوى القيادة العليا أو القيادة السياسية تعكس مدى نبل وخصوصية العلاقة بين سلطنة عمان ومصر، إلى الحد الذي وصل إلى طلب القيادة الأمريكية من مصر التوسط لدى سلطنة عمان ليوقف الحوثيون اعتراضهم للسفن الأمريكية والغربية في جنوب البحر الأحمر.  
وتستمر العلاقة المصرية العمانية ضاربة في جذور التاريخ ومورقة بثمارها الوافرة في مختلف مجالات التعاون والترابط الدائم والمستمر على المستوى الرسمي والشعبي، لتصبح نموذجا فريداً للعلاقات بين شعبين شقيقين.

search