الأحد، 06 أبريل 2025

01:43 ص

تحالف تكنولوجي دموي.. كيف يغذي ذكاء مايكروسوفت الحرب في غزة؟

احتفال مايكروسوفت بالذكرى الخمسين

احتفال مايكروسوفت بالذكرى الخمسين

في واقعة لافتة، قاطعت المهندسة ابتهال أبو سعد، وهي موظفة في شركة "مايكروسوفت"، كلمة الرئيس التنفيذي لـ"مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي"، مصطفى سليمان، خلال احتفال الشركة بالذكرى الخمسين لتأسيسها، متهمةً الشركة بالمشاركة في "إبادة جماعية" ضد الفلسطينيين عبر تزويد الجيش الإسرائيلي بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

"أيديكم ملطخة بالدماء"

خلال مداخلة جريئة، خاطبت أبو سعد سليمان قائلة: "50 ألف شخص تم قتلهم، ومايكروسوفت تقف وراء هذه الإبادة الجماعية. عار عليكم. توقفوا عن استخدام الذكاء الاصطناعي لقتل أهل منطقتنا"، قبل أن يتم إخراجها من القاعة.

اكتفى سليمان بالرد: "شكراً لك، لقد سمعت احتجاجك".

رسالة داخلية تكشف المستور

وبعد الواقعة، بعثت أبو سعد برسالة عبر البريد الإلكتروني إلى الآلاف من موظفي "مايكروسوفت"، شرحت فيها أسباب احتجاجها. 

وقالت إنها عملت في "مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي" لأكثر من ثلاث سنوات، وكانت تؤمن بتطوير تقنيات تخدم البشرية. لكنها تفاجأت لاحقًا بأن "مايكروسوفت تبيع أعمالها للجيش الإسرائيلي للتجسس وقتل المدنيين"، وفق تعبيرها.

وأكدت أنها "لم توافق على كتابة برمجيات تُستخدم في انتهاكات حقوق الإنسان"، وأشارت إلى عقد بقيمة 133 مليون دولار بين "مايكروسوفت" ووزارة الدفاع الإسرائيلية، بحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس".

دور مايكروسوفت في الحرب على غزة

أوضحت أبو سعد أن استخدام الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي من "مايكروسوفت" و"OpenAI" ارتفع في مارس 2024 بمقدار 200 ضعف مقارنة بما قبل هجوم 7 أكتوبر، كما تضاعفت البيانات المخزنة على خوادم "مايكروسوفت" لتصل إلى أكثر من 13.6 بيتابايت.

وكشفت أن الجيش يستخدم خدمات "مايكروسوفت أزور" لتجميع وتحليل بيانات المراقبة، بما يشمل المكالمات الهاتفية والرسائل الصوتية والنصوص، ثم يُقارنها بأنظمة الاستهداف الداخلي، ما يساهم في زيادة فعالية الهجمات.

تعاون سري وأرباح ضخمة

بحسب الوثائق المسربة، تدير "مايكروسوفت للذكاء الاصطناعي" مشاريع حساسة وسرية للغاية مع الجيش الإسرائيلي، مثل "بنك الأهداف" و"سجل السكان الفلسطيني"، وتُوفر خدمات استشارية وسحابية تحقق للشركة أرباحًا بملايين الدولارات.

وأوضحت أن هذه الخدمات جعلت الجيش الإسرائيلي "أكثر فتكًا وتدميرًا"، وسط دمار هائل في غزة ولبنان واستشهاد أكثر من 50 ألف شخص، بحسب إحصائيات وزارات الصحة هناك.

قمع داخلي وغياب الشفافية

اتهمت أبو سعد الشركة بمحاولة قمع الأصوات المعارضة داخليًا، مؤكدةً أن موظفين عرباً وفلسطينيين ومسلمين تعرضوا للترهيب والفصل بسبب مواقفهم، على الرغم من أن سياسة "مايكروسوفت" تعلن دعم حقوق الإنسان.

كما قارنت بين ما يحدث اليوم ومواقف سابقة للشركة، مثل سحب استثماراتها من جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري، وإنهاء التعاون مع شركة AnyVision الإسرائيلية بسبب احتجاجات على استخدامها تقنيات التعرف على الوجه.

تساؤلات أخلاقية

أنهت أبو سعد رسالتها بتوجيه أسئلة أخلاقية لزملائها: "هل هذا هو الإرث الذي نرغب في تركه؟ هل يمكننا إخبار أطفالنا أننا كنا نساهم في تطوير أسلحة ذكاء اصطناعي؟"، داعيةً إلى اتخاذ موقف صريح ضد تورط الشركة في "جرائم ضد الإنسانية".

أسوشيتد برس: الذكاء الاصطناعي في قلب الحرب

وكشف تقرير لـ “أسوشيتد برس”، والذي استشهدت به ابتهال، عن تصاعد كبير في استخدام الجيش الإسرائيلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي المُقدمة من شركتي مايكروسوفت وOpenAI، خاصة بعد هجوم حركة حماس المفاجئ في 7 أكتوبر 2023. 

وبحسب التحقيق، استخدم الجيش هذه الأدوات لفحص كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية والمراقبة والاتصالات المُعترضة، بهدف رصد التحركات "المشبوهة" وتحديد الأهداف بشكل أسرع.

استخدام غير مسبوق لتقنيات الذكاء الاصطناعي

تشير الوثائق التي اطلعت عليها الوكالة إلى أن استخدام الجيش الإسرائيلي لبرمجيات مايكروسوفت وOpenAI ارتفع في مارس 2024 بنحو 200 مرة مقارنة بما قبل هجوم أكتوبر. 

كما تضاعف حجم البيانات المخزنة على خوادم مايكروسوفت ليصل إلى أكثر من 13.6 بيتابايت، أي ما يعادل 350 مرة من حجم كل الكتب الموجودة في مكتبة الكونجرس الأمريكية.

شراكات تجارية تتحول إلى أدوات حربية

يستند هذا التعاون إلى عقود بين مايكروسوفت ووزارة الدفاع الإسرائيلية، من بينها عقد بقيمة 133 مليون دولار. وتوفر الشركة تقنياتها عبر منصتها السحابية "أزور"، التي تستخدمها إسرائيل لتجميع وترجمة وتحليل البيانات، من المكالمات الهاتفية إلى الرسائل النصية.

وتعتمد أنظمة الاستهداف على قدرات الذكاء الاصطناعي في تتبع الأنماط والمصطلحات والربط بين الأشخاص والمواقع، ما يجعل عملية تحديد الأهداف أسرع وأكثر كثافة، بحسب ضباط استخبارات إسرائيليين تحدثوا بشرط عدم كشف هويتهم.

الجدل الأخلاقي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب

قالت هايدي خلف، كبيرة علماء الذكاء الاصطناعي في معهد AI Now: "هذا أول تأكيد موثق لاستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التجارية بشكل مباشر في الحروب". 

وأضافت أن تداعيات ذلك "هائلة"، خاصة في ظل المخاوف من تمكين تقنيات الذكاء الاصطناعي للحروب "غير الأخلاقية وغير القانونية".

وقد أظهر التحقيق أن النماذج المُستخدمة، مثل Whisper التابع لـOpenAI، قد تُنتج نصوصًا مفبركة أو تحتوي على خطابات عنيفة وعنصرية، ما يُثير تساؤلات حول مصداقية ودقة هذه الأدوات في ساحات المعارك.

إنكار وتعليق حذر من الشركات

مايكروسوفت رفضت التعليق على نتائج التحقيق أو الرد على الأسئلة المتعلقة بخدماتها المقدمة للجيش الإسرائيلي، مكتفية ببيان عام يؤكد التزامها بـ"الدور الإيجابي للتكنولوجيا في العالم". 

بينما نفت OpenAI وجود أي شراكة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، رغم أن نماذجها تُستخدم عبر خدمات "أزور" التي توفرها مايكروسوفت – أكبر مستثمر في OpenAI.

تجدر الإشارة إلى أن OpenAI قامت قبل عام بتعديل شروط الاستخدام الخاصة بها، حيث أزالت الحظر الصريح على الاستخدام العسكري وسمحت باستخدام تقنياتها في "حالات الأمن القومي" التي تتماشى مع "مهمّتها".

نتائج كارثية على الأرض

منذ اندلاع الحرب، استشهد أكثر من 50 ألف شخص في غزة ولبنان، ودُمّرت نحو 70% من مباني قطاع غزة، بحسب بيانات وزارتي الصحة في غزة ولبنان. 

وتُشير التقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي يرى في الذكاء الاصطناعي "عامل تغيير" يسمح بتحديد الأهداف بشكل أسرع، مع الإصرار على وجود إشراف بشري متعدد المستويات لضمان الامتثال للقانون الدولي.

ومع ذلك، فإن تصاعد استخدام هذه التقنيات يثير مخاوف من التوسع العالمي في الحروب الآلية، واحتمالية تكرار مثل هذه السيناريوهات في نزاعات أخرى مستقبلاً، خاصة في ظل صعود نفوذ شركات التكنولوجيا الأمريكية في السياسات الدولية.

search