الخميس، 03 أبريل 2025

04:06 م

لام شمسية.. كيف نحمي أطفالنا من هذا الخطر!

وسط زخم أعمال درامية بالغة السخافة والسماجة والابتذال في كثير منها، أبهرنا صناع مسلسل "لام شمسية" بعمل فني يتناول قضية شائكة، وهي التحرش والاعتداء على الأطفال..

تابعت ردود الفعل تجاه المسلسل، ولا شك أنه حظي باستحسان مستحق من قبل أطياف مختلفة في المجتمع، اتفقوا على أنه ليس مجرد عمل درامي، لكنه بمثابة حجر ثقيل ألقي في مياه راكدة يخشى الجميع الاقتراب منها طوال سنوات.

وقبل أن أناقش معكم موضوع المسلسل لأنه يتقاطع مع عملي إلى حد كبير، أود التعبير عن اعتزازي بما قدمه القائمون عليه من إبداع في كل المراحل، فقد أثبتوا أن مصر ولادة بالمواهب والمبدعين، بداية من فريق الكتابة، الذين نسجوه بخيال وحروف من ذهب، متجاوزين بمهارة فائقة الحساسيات التي تسيطر على المجتمع، وجبن الكثيرين عن مناقشة ما تعرض له أطفالهم من أذى!

مروراً بأبطاله الذين أبدعوا بكل معاني الكلمة، خصوصاً الطفل الرائع "علي" الذي أدى دوراً بالغ الصعوبة والتعقيد، وكنت مشفقاً عليه للغاية، وأقدر حرص منتجي المسلسل ومخرجه على سلامته النفسية أثناء التصوير.

جميعهم رائعون ومبدعون وأدوا رسالة عظيمة، ولا أريد أن أنسى أحداً، لكن الفنان محمد شاهين أثبت موهبة استثنائية ليست جديدة عليه، وإن كان الدور العظيم الذي لعبه سيضيف إليه في المستقبل بالتأكيد.!

ومن بين ردود الفعل التي تابعتها، نفر طالبوا بوقف المسلسل فوراً، وحذروا من مشاهدته لأنه ينتهك ستراً مجتمعياً يجب الحفاظ عليه، ومسألة حساسة لا يجب مناقشتها علناً، أو معالجتها درامية بهذه الطريقة المؤذية للإحساس!

من واقع عملي كرجل قانون، أدرك جيداً أن هذه المشكلة لا تمس مجتمعاً بعينه، بل أن أكثر الدول تقدماً ورفاهية تشهد حالات اعتداء على الأطفال بأشكال مختلفة، لكن الفرق أن البلدان الأكثر انفتاحاً تتخذ إجراءات وقائية لحماية الأطفال من هذه المخاطر خصوصاً داخل إطار الأسرة الواحدة!

القضية بالغة الأهمية، ولعل من الصادم لمشاعرنا المرفهة أنه بحسب منظمة اليونيسيف فإن طفل من كل ثمانية أطفال في العالم يتعرض لإساءة جنسية قبل سن الثامنة عشرة!

أعتقد أن هذه الإحصائية كفيلة لأن ننتبه ونناقش القضية بانفتاح وشجاعة، لأن آفة حارتنا الجبن وقمع الطفل إذا اشتكى، خوفاً من الفضيحة، أو لعدم المساس بالجاني وكشفه، خصوصاً لو كان من الأقارب!!

بحسب يونيسيف هناك نوعان من الإساءة الجنسية، وجميعنا يعرف أنهما شائعان في الوقت الراهن، أولهما يتضمن تلامساً جسدياً مع الطفل، سواء بالتقبيل أو الاحتضان أو لمس أجزاء معينة من جسده، وربما فعل الأسوأ الذي تعرفونه.

أنا أعيش في دولة الإمارات حيث تنوع الجنسيات والثقافات، وأرصد بوضوح مدى حساسية الجاليات الغربية حيال إبداء مشاعر مبالغ تجاه أطفالهم في الأماكن العامة من قبل الغرباء فتتحول الأم إلى نمرة شرسة إذا لاطف أحد طفلها بطريقة مبالغ فيها!

 فيما أن الأمر مختلف في ثقافتنا العربية، فمن الممكن أن يرى أحدنا طفلاً جميلاً، فيلاطفه بحسن نية أو يحاول تقبيله أو احتضانه بشكل أبوي أو أمومي، غير مدركين أن هذا تصرف غير مقبول، وأن هذه العاطفة الجياشة ليست في محلها، لأن من الضروري أن يتعلم الطفل منذ صغره أن لجسمه حرمة لا يجب انتهاكها بهذه البساطة!

من المعتاد في مجتمعاتنا، أن نسمح بجلوس الأطفال على أرجل البالغين سواء كانوا أقارب أو أصدقاء، بل ونتصدى للطرف الذي يرفض ذلك سواء كان الأب أو الأم بدعوى أن الرفض يحرج حامل الطفل، لكن هذه أخطاء فادحة نرتكبها بحق أطفالنا!

النوع الثاني من الإساءة الجنسية للأطفال، تتمثل في إجبارهم أو تشجيعهم على مشاهدة محتوى مخل سواء صور أو فيديوهات أو محادثات وغير ذلك من محتوى لا يتناسب مع أعمارهم، ويؤثر عليهما نفسياً بمرور الوقت.

لقد قرأنا وتابعنا خلال الأيام الأخيرة كثيراً من جرائم الاعتداء على أطفال معظمهم في أعمار صغيرة مثل قضية "طفلة العاشر" التي ظهرت أمها في فيديو تبكي وهي ممسكة بالجاني في انتظار الشرطة!

هناك عشرات من القصص والحالات والإحصائية صادمة، لذا أنصحكم بمشاهدة المسلسل لأنه بمثابة طلقة كاشفة في ليل بهيم كئيب، ولنتعظ ونعي سوياً خطورة الصمت!

إن تأثير التحرش والاعتداء الجنسي على الأطفال مدمر في حالة تجاهل الضحية، أو التعامل بجبن مع الواقعة وإجباره على الصمت، وأنا وأنتم ندرك جيداً أن كثيراً من ذوي هؤلاء الأطفال يفضلون السكوت خشية الفضيحة، وكأن هذا الطفل البريء الوديع المسالم شريك في الجريمة!

أخصائيو علم نفس الأطفال يؤكدون أن الطفل الذي يتعرض لهذا النوع من الاعتداء، سواء كان ذكراً أم أنثى مهدد في سلامته الجسدية والنفسية، ومن ثم يجب العمل على استعادة سلامته فوراً.

ويتحتم على الآباء الوعي بمؤشرات أو علامات الجريمة، ومنها اضطراب النوم، والعصيان والتمرد، وفقدان الشهية، وربما إبداء اهتمام مفاجئ بالمسائل الجنسية بما يفوق عمره، ولمس جسده بطريقة غير لائقة، وأعراض أخرى صعبة وقاسية مثل كثرة الكوابيس والتبول اللاإرادي ووصف جسده بأنه متسخ أو متضرر!

أطفالنا أمانة في أعناقنا، ويجب أن نكون أول من يحتضنهم ويرعاهم، ولا شك أن الوقاية خير من العلاج، لذا يظل الحذر ضروري، خصوصاً في ظل هذه الأيام البائسة التي ينتشر فيها تعاطي أنواع مخيفة من المخدرات، وسهولة الوصول إلى محتوى إباحي عبر الانترنت..

ضعوا قواعد لأطفالكم، ولأي شخص يتعامل معهم قريباً أو غريباً، وافهموا أن المخاطر تأتي دائماً من دوائر غير متوقعة، لذا عودوهم على الرفض، وعدم السماح لأحد بلمسهم سواء بالاحتضان أو التقبيل، لأنهم لا يستطيعون التمييز بين حسني النية والمضطربين نفسياً المهووسين بالأطفال!

بحسب علماء النفس والاجتماع، يشعر آباء الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء بنوع من الذنب، لأنهم لم يستطيعوا حماية أبنائهم، ويؤثرون الصمت حتى لا يلومهم أحد، لكن هذا جبن وجهل، لأنهم الطرف الذي يجب أن يقدم الدعم والمساندة، ومن ثم من الضروري أن يطلبوا هم أنفسهم المساعدة من المختصين، لأنه لا يمكن للعائلات أو الأطفال التغلب على هذه المواقف بمفردهم!

كما ترون، فتح مسلسل لام شمسية الباب لنقاش واسع ومهم وضروري في قضية بالغة الحساسية والخطورة، ولولا شجاعة صناع هذا العمل، ربما ما ناقشت الفكرة معكم بهذه الشفافية.. وكل عام وأنتم بخير.

search