السبت، 01 مارس 2025

12:38 ص

سعيد محمود
A A

معاوية.. الفتنة على الشاشة في رمضان

بعد أيام قليلة، ومع أولى ليالي رمضان، سنكون على موعد مع وجبة درامية دسمة، لكن هذه المرة ليست من النوع الذي يجعلك تتابع بشغف، بل ربما تجعلك تتساءل: "هل كان يجب أن يحدث هذا؟".  

نحن أمام مسلسل "معاوية"، الذي يقتحم أعتى الفترات حساسية في تاريخ المسلمين، وهي الفتنة الكبرى التي وقعت بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان، تلك الفتنة التي فرقت بين الصحابة وأشعلت نيران الخلاف بين المسلمين، ومثلما كانت تلك الأحداث امتحانا صعبا للأمة الإسلامية، يبدو أننا على وشك اختبار جديد، لكنه هذه المرة على الشاشة الفضية.  

قبل سنوات طويلة، كان أي عمل يتناول شخصيات الصحابة مجرد فكرة مرفوضة تماما، بل إن دار الإفتاء المصرية نفسها، في فتوى تعود لعام 2013، أكدت عدم جواز تجسيد العشرة المبشرين بالجنة، ومن بينهم الخلفاء الراشدين: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، فكيف نصل اليوم إلى مرحلة يظهر فيها هؤلاء الصحابة الكرام على الشاشة؟  

المفارقة أن المسلسل لا يعيد فقط سرد الفتنة الكبرى، بل يفتح الباب لفتنة جديدة نحن في غنى عنها، فنحن في زمن يمكن أن يشعل فيه منشور صغير بمواقع التواصل حربا قد لا تنتهي، فكيف سيكون الحال مع عمل درامي يجسد شخصيات بحجم الخلفاء الراشدين؟ يكفي أن يختلف المشاهدون حول أداء الممثل أو تصوير الأحداث حتى نجد أنفسنا أمام معركة كلامية لا نهاية لها.  

المشكلة ليست فقط في اختيار قصة الفتنة الكبرى كموضوع لمسلسل درامي، بل في فكرة التجسيد نفسها، فاليوم نحن نتحدث عن تجسيد الصحابة، لكن ماذا عن الغد؟

هل نرى قريبًا من يجسد النبي محمد نفسه، أو سائر الأنبياء؟

إذا كان هناك من يرى أن هذه مجرد مبالغة، فلينظر إلى كيف تتطور الأمور تدريجيا، وكيف يصبح الممنوع مباحا بمرور الوقت.  

يا سادة هذه ليست مجرد مادة للترفيه، وليست قصة خيالية يمكن أن تختلف فيها وجهات النظر، بل فتنة مزقت الأمة، وكان الصحابة أنفسهم يتألمون من وقوعها، فهل يليق بنا أن نعرضها في عمل درامي؟  

قد يقول البعض إن الهدف هو "تصحيح المفاهيم" أو "تقديم التاريخ للأجيال الجديدة"، لكن هل هذا هو الطريق الصحيح؟ هل يمكن للدراما، التي تحكمها اعتبارات السوق والمشاهدات، أن تنقل هذه الأحداث بموضوعية دون أن تحيد عن الحقيقة؟ أم أننا سنجد أنفسنا أمام نسخة أخرى من التاريخ، تُكتب على يد السيناريو والإخراج، لا على يد الواقع؟  

الخلاصة أن الفتنة الكبرى لم تكن مجرد نزاع سياسي، بل كانت زلزالا في تاريخ الإسلام، لم يخرج منه أحد دون أن يخسر شيئا، واليوم قد لا نكون في زمن السيوف والرماح، لكننا في زمن يمكن أن تشعل فيه كلمة واحدة خلافا لا نهاية له.  

فهل سنكون قادرين على تجنب الفتنة الجديدة التي قد تخرج منه؟ أم أننا، كما في كل مرة، سنعيد ارتكاب الأخطاء نفسها، لكن هذه المرة تحت أضواء الكاميرات؟

title

مقالات ذات صلة

search