الخميس، 03 أبريل 2025

12:15 م

هنا قصر الأسد.. "زوال إسرائيل" وحفنة سيديهات آخر ما بقي من رائحة بشار (فيديو)

كتاب "زوال إسرائيل" آخر ما قرأ بشار الأسد

كتاب "زوال إسرائيل" آخر ما قرأ بشار الأسد

أربعة وعشرون عامًا قضاها بشار الأسد في منصبه رئيسًا للجمهورية العربية السورية، داخل "قصر الشعب"، بدأت في 17 يوليو 2000 وانتهت على نحو دراماتيكي في 8 ديسمبر 2024، بعد أن نجحت قوات "هيئة تحرير الشام" المعارضة في إسقاط حكمه وإزاحته عن البلاد للأبد.

لكن يبقى مقر الحكم شاهدًا على جانبٍ كبير من تفاصيل ما جرى في ليلة سقوط دمشق، وهي الفرصة التي أُتيحت لـ"تليجراف مصر" ليتجوّل بعدسته في ساحة وباحة وردهات وأهم غرف القصر، بما في ذلك مكتب الرئيس ومساعديه، ومستشارته السياسية والإعلامية، بثينة شعبان.
 

الطريق إلى القصر

مع إعلان سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، سادت حالة من الفوضى والارتباك في البلاد، ووصلت أقدام مجموعات قليلة إلى مبانٍ حسّاسة في العاصمة دمشق، ولم يكن "تليجراف مصر" بمنأى عن تلك الخطوات اللاهثة في ردهات تلك المباني بما فيها قصر الرئاسة!

لحظة الوصول إلى قصر الشعب في دمشق الذي حكم منه بشار الأسد سوريا لمدة 24 عامًا

مقاطع فيديو استثنائية، بعضها قصير والآخر يمتد لدقائق، لم يكن أحد يتصوّر أن يراها في البلد الذي مزقته الحرب الأهليّة على مدار نحو 13 عامًا، منذ اندلاع أحداث 2011، في إطار ما جرى توصيفه في المنطقة بـ"الربيع العربي"، لكن عشرة أيام فقط غيّرت المشهد بعدما صعّدت المقاومة المسلحة من عملياتها الميدانية، وكانت كافية لإجبار الأسد على الخروج من عرينه الحصين بطائرة هبطت في نهاية المطاف بمطار موسكو، وربما لن تغادره أبدًا.

قصر الشعب

أول المقاطع التي ينفرد "تليجراف مصر" بعرضها، يُظهر سيارة "جيب" سوداء، يُعتقد أنها تنتمي لقوة تابعة لـ"هيئة تحرير الشام"، تحركت سريعًا في شارع شاغر إلا من سيارتين تقريبًا، قبل أن يضغط قائدها على المكابح فتتسمر الجيب أمام مبنى مسيّج بسور عالٍ يزيد ارتفاعه على عشرة أمتار، ولم يكن هذا المبنى سوى "قصر الشعب"، مقر حكم الأسد لـ24 عامًا.

جانب من مكتب فرعي يؤدي إلى مكتب بشار الأسد

وعلى بعد خطوات في المكان المتسع للغاية، رصدنا سيارة أخرى مصفحة، يبدو أنها اشتبكت مع مقاتلين في وقت سابق، فقد ظهر على زجاج نافذتها الجانبية آثار رصاصات حاولت اختراقه لكنها فشلت.. ربما درات هنا معركة قصيرة قبيل السيطرة على القصر وإحكام قبضة المقاومة عليه.

سيارة مصفحة تقف أمام القصر تظهر عليها آثار رصاصات في زجاج النافذة

بعدها بلحظاتٍ تشاهدون معنا مدخل القصر، الذي يتطلب الدخول إليه وطء علم إيران المفروش على عتبة الباب الرئيسي بالأقدام، والذي ما إن تتجاوزه حتى تجد سجادة حمراء طويلة من ذلك النوع الذي يوضع على الأرض لتسير فوقه الشخصيات الهامة، وعلى كل باب تعبر من خلاله يقف مقاتل ملثم بزي عسكري وبحوزته بندقية. ومن الداخل بدا القصر الفاخر في معماره وديكوراته الأنيقة فارغًا إلا من صدى الصوت وخطوات أقدامنا برفقة قلة مِمنْ يتحركون معنا ذهابًا وإيابًا لاستكشاف المكان، بعضهم ينظر في تأمل وهول والآخر يلتقط صورًا وفيديوهات.

إعصار في قاعة المؤتمرات

خطوات أخرى قادتنا إلى داخل ردهة متسعة تفضي إلى قاعة مؤتمرات، والمؤكد أيضًا أنها شهدت عمليات كر وفر قبل وصولنا، فالقاعة الواسعة كانت تمتلئ بالكراسي، لكنها في الوقت ذاته ازدحمت بالأوراق المبعثرة والعلب الفارغة والكراتين المُلقاة في كل الأرجاء، كأن إعصارًا ضربها لساعات متواصلة.

لوحة عليها أبيات لعنترة بن شداد داخل القصر

في الممرات التي تربط بين قاعة وأخرى، مشاهد إبداعية طالتها الفوضى.. لوحات تشكيلية ذات طابع سيريالي ربما كانت معلّقة على الجدران، والآن لا تجد لها مكانًا إلا على الأرض، واحدة منها مدوّن عليها بالخط العربي أبيات من قصيدة شهيرة لعنترة بن شداد، يقول في مطلعها:

يدعون عنتر والرماح كأنها... أشطان بئر في لبان الأدهم

ما زلت أرميهم بثغرة نحره... ولبانه، حتى تسربل بالدم

مكتب الأسد

لحظات وكنا في داخل مكتب الرئيس بشار الأسد، وكغيره من غرف القصر، كانت كل التفاصيل مبعثرة.. شهادات وتكريمات وأوسمة وعلب خشبية فاخرة مزيّنة بعبارة "الجمهورية العربية السورية" ومطلية بالنحاس أو ماء الذهب، ولوحات فنية بأحجام مختلفة، وعلب ضخمة وأخرى متوسطة لكن جميعها فارغ من الداخل، بعضها موجود على أرفف والباقي متوزع عشوائيًا على الأرض وفوق الكراسي.

أحد المكاتب داخل قصر الرئاسة في سوريا

وبينما تسافر بعينيك في تفاصيل المكان المزدحم، يخطف نظرك تمثال نصفي من البرونز لبشار الأسد مثبّت على قاعدة خشبية عليها زخارف نحاسية، وفي القلب كانت هذه العبارة: "إلى صاحب الجبين العالي والمواقف المشرفة، إلى رمز عزة الوطن وكبرياء الأمة.. إلى من يرفرف بجناحي الحكمة والصمود حاملًا الوطن إلى بر الأمن والأمان.. السيد الرئيس الفريق بشار الأسد.. الذكرى السادسة والستون لتأسيس الجيش العربي السوري.. رجال القوات المسلحة".

تمثال نصفي من البرونز لبشار الأسد

كمية التماثيل والأعمال الفنية الموجودة في مكتب بشار يصعب حصرها فهي كثيرة جدًا، وتتنوّع بين اللوحات الزيتية والبورتريهات والتماثيل إلى جانب تابلوه يحمل صورة لملك إنجلترا تشارلز الثالث حين كان أميرًا مع والدته الملكة (الراحلة) إليزابيث الثانية.

ملائكة وشياطين

وتنوعت الكتب التي حواها المكتب الرئاسي، لكن عناوين بعينها استوقفتنا، لعل أبرزها رواية "ملائكة وشياطين" للكاتب الأمريكي دان بروان، الصادرة في عام 2000، وأثارت ضجة إشكالية كغيرها من روايات براون التي تتجلى فيها نظرية المؤامرة، حيث تتحدث هذه الرواية عن العداء بين العلم والدين.

زوال إسرائيل

أما المفاجأة أن آخر كتاب كان يقرأه بشار لأنه كان موجودًا فوق مكتبه، فهو "زوال إسرائيل" لمؤلفه تامر مير مصطفى، الذي يرصد فيه كل النبوءات التي تبشر بزوال دولة إسرائيل مستعينًا بالإخبار القرآني، وبنصوص كتَاب عرب وأجانب، مع المناقشة والتحليل بقصد الوصول إلى هذه الحقيقة الهادمة لأسطورة إسرائيل.

كتاب “زوال إسرائيل” على مكتب بشار الأسد

مانشيت حافظ الأسد

المفارقة العجيبة أن صورة لبشار الأسد كانت ملقاة على الأرض بينما على كرسي مجاور إطار يضم الصفحة الأولى من صحيفة "لسان الحال" السورية، تحمل مانشيت "انقلاب أبيض في سوريا.. سيطر حافظ أسد على الوضع"، في إشارة إلى انقلاب البعث في عام 1970، الذي يُعرف أيضًا بـ"الحركة التصحيحية"، وهو انقلاب عسكري قام به وزير الدفاع وعضو القيادة القُطرية بحزب البعث وقتذاك الفريق حافظ الأسد، ورئيس الأركان السوري مصطفى طلاس واللواء إسكندر سلامة وعدد من الضباط البعثيين الموالين لحافظ الأسد في 16 نوفمبر 1970 وعين على إثرها أحمد الحسن الخطيب رئيسًا للجمهورية مؤقتًا، ووصل بعدها الضابط حافظ الأسد إلى سدة الحكم، ليشاء القدر أن من سيطر على الوضع بات على بضع سنتيمترات ممن انفلتت الأوضاع من يده.

إطار يحتوي على الصفحة الأولى من جريدة “لسان الحال” بمانشيت “سيطر حافظ أسد على الوضع”

مكتب المستشارة السياسية

وعلى مقربة، تقع غرفة المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس بشار الأسد، الدكتورة بثينة شعبان، والتي كانت قد توّلت منصب وزيرة شؤون المغتربين في التعديل الوزاري الذي جرى في فبراير عام 2006.

وعلى مكتبها وجدنا ما يبدو أنه آخر كتاب تصفحته شعبان "الحرب العالمية على سورية.. هل انتهت اللعبة" وهو الكتاب الذي صدر باللغة الفرنسية في باريس عام 2023 بإشراف ميشيل رامبو وفيصل جلول، وترجمه إلى اللغة العربية محمد الدنيا وزبيدة القاضي.

روسيا وإيران وحزب الله

واللافت أن هذا الكتاب يتماهى إلى حد كبير مع ما آلت إليه الأوضاع في سوريا، حيث يتناول التطور الذي طرأ على الحالة السورية، فبعد الانتصارات العسكرية والسياسية التي حققتها سوريا وحلفاؤها (روسيا وإيران وحزب الله اللبناني) عبر صمود الجيش والشعب نشأت حرب وصفها الكتاب بأنها "حرب هجينة" لكن يبدو أن النهاية مرتبطة أيضًا بالتطورات الجيوسياسية التي تحدث في أوكرانيا والعالم.

أرفف تزدحم بالمقتنيات المبعثرة داخل إحدى غرف قصر بشار الأسد

رحلة من العمر

وعلى المكتب ذاته لوحة تحتوي على صورة لقرينة الرئيس السابق، السيدة أسماء الأسد، مكتوب عليها "رحلة من العمر"، في إشارة إلى رحلة العلاج التي خاضتها بعد إصابتها بمرض السرطان في عام 2019، قبل أن تعلن اكتمال شفائها بعد عام، بينما كانت الأرض مفترشة بحفنة صور لحافظ الأسد مكتوب عليها "القائد الخالد".

سيديهات الأسد

وداخل القصر العديد من غرف الاجتماعات ذات الطاولات الممتدة على شكل دائري أحيانًا، أو طاولات مستطيلة عادية، وفي إحداها سبورة كتب أحدهم عليها عبارة "يسقط الأسد المجرم"، وفي المسافة الفاصلة بين غرفتي مكتبين كيس بلاستيكي تخرج منه كمية كبير من الأسطوانات المدمجة (سيديهات) لا أحد يعرف محتواها، فربما تكشف الأيام المقبلة حين يجري تفريغها تفاصيل هامة ظلت لسنوات غائبة عن دوائر الإعلام.

مجموعة من السيديهات الملقاة على الأرض داخل القصر
search