الخميس، 03 أبريل 2025

08:08 ص

رضوى رحيم
A A

بوحٌ| ليلة العيد.. حين تسكن الأرواح بين الوداع واللقاء

الليلة الأخيرة من رمضان ليست كأي ليلة، إنها حدٌّ فاصل بين زمنين، بين روحٍ تشتاق للبقاء في حضرة النور، وجسدٍ يستعد لاستقبال فرحة العيد. تنسحب أنفاس الشهر الكريم رويدًا رويدًا، كعطرٍ خفيف يملأ الأرجاء قبل أن يتلاشى، وتبقى القلوب معلقة بين وداعٍ ثقيل ولقاءٍ موعود.

كيف تنطفئ أنوار الشهر الكريم؟

في ليلة العيد، تسكن البيوت بشكل مختلف، تهدأ المصاحف التي كانت تُفتح كل ليلة، وتُطوى سجادات الصلاة التي شهدت دموع التهجد، وتصمت المساجد عن نداء "التراويح" الذي كان يبعث الطمأنينة في الأرجاء. تعود العادات القديمة، وتنسحب العبارات التي كانت تملأ الألسنة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنّا"، ويحل محل تلاوة القرآن تكبيرات العيد، وكأنها لحظة تبدّل الروح ثوبها، من خشوع التبتل إلى بهجة الحمد.
لكن ماذا بعد؟ هل تظل الروح كما هي؟ هل تنطفئ الشموع التي أضاءها رمضان في القلوب؟ أم أن في داخل كل منا قبسًا عليه أن يحمله بعد الرحيل؟ يقول شمس التبريزي: "ليس رمضان هو الذي يذهب، بل نحن الذين نبتعد بعده. فاحملْ معك أثره كأنك لم تغادره".

آخر سجدة في رمضان.. هل كُتبت لنا المغفرة؟

دخلتُ إلى المسجد، حيث جلست إلى جوار سيدة كبيرة، بدا عليها أثر الزمن وبهاء نوراني لا تخطئه الروح، في عينيها دموع تتلألأ تحت ضوء المصابيح الخافتة. همستْ لي: "يا ابنتي، الليلة تُرفع الصحائف، فكيف لقلبٍ أن يطمئن قبل أن يعرف مقامه عند الله؟".
كانت كلماتها أشبه بسهمٍ أصاب موضع القلق في قلبي. أمعنت النظر في الوجوه من حولي، كانت العيون كلها مسافرة إلى عالم آخر، عالم السؤال: هل غُفر لنا؟ هل تقبّلنا الله في ضيافته أم كنا مجرد عابرين لم يلتفت لهم النداء؟
ابتسمتْ وكأنها قرأت أسئلتي على صفحة وجهي، وقالت: “إذا وجدتِ قلبكِ يشتاق إليه بعد رمضان، فاعلمي أنه لم يردكِ خاوية”، ثم أضافت بصوت خاشع: "العيد ليس لمن لبس الجديد، بل لمن بُشّر بالقبول".

يقول العارفون إن العطايا ليست دائمًا مادية، أحيانًا تكون في هيئة قلب أكثر طمأنينة، أو عين أكثر صفاءً، أو لسان لا يكفّ عن الذكر. فإن وجدت نفسك بعد رمضان أكثر حبًا للصلاة، أكثر لطفًا مع الناس، أكثر صبرًا على البلاء، فاعلم أن الله قد أجاب دعاءك. وكما يقول الحلاج: "الصيام ليس أن تمسك عن الطعام، بل أن تمسك عن كل ما يبعدك عن الله. فإن صمتَ رمضان حقًا، فليصم قلبك بعده عن الغفلة".
أما إن كنت تشعر بالخوف من زوال هذه الحالة الروحية، فذلك لأن النفس البشرية بطبيعتها تهوى التراخي. وهنا يهمس جلال الدين الرومي: "لا تكن كالشمس في المغيب، بل كن كالقمر الذي يضيء كل ليلة". لا تدع نور رمضان ينطفئ، بل احمله معك أينما ذهبت.

طرقات العيد بين الفرحة والرجاء..

تشرق شمس العيد، وتمتلئ الطرقات بالأطفال يضحكون، وبالأهالي يتبادلون التهاني، وتفوح رائحة الحلوى والمخبوزات من النوافذ. المساجد تهتز بتكبيرات العيد، وكأنها تعلن أن الفرحة هدية الله لمن صام وصبر.
لكن وسط كل ألوان البهجة، هناك من لا يزال يرفع كفه إلى السماء ويدعو. هناك من لم يُستجب رجاؤه بعد، ومن ينتظر فرجًا لم يأتِ، ومن فقد عزيزًا ولم يجد للعيد معنى. فالعيد ليس فقط ثوبًا جديدًا وحلوى، بل هو لحظة امتنان لمن أنعم، ولحظة صبر لمن لم يأته العطاء بعد.

رمضان الذي لا يرحل..

إذا غاب رمضان، لا تجعله يغيب عنك. وإن شعرت أن النور بدأ يخفت، فابحث عنه داخلك، فالعبرة ليست بمن صام رمضان، بل بمن بقي قلبه رمضانًا طوال العام. وكما يقول الرومي: "من يحب الله في رمضان، يظل يحبه في شوال وفي كل حين".
وكل عام وحضراتكم بألف خير

search