تامر إبراهيم يكتب: الجهاد في سبيل الشيطان (1).. تمخضت أمريكا فولدت بن لادن والجولاني

تامر إبراهيم
تحول دراماتيكي شهدته شخصية الإرهابي أبو محمد الجولاني، الذي تنقل بين القاعدة وداعش حتى وصل إلى إنجاب طفله التنظيمي الخاص تحت مسمى هيئة تحرير الشام.
الرجل غير اسمه التنظيمي وعاد لاسمه بالميلاد أحمد الشرع، هذب لحيته مثلما هذب خطابه، وتلقفته أمريكا والحلفاء بوصفه قائد المعارضة المسلحة السورية، بعدما وضعت على رأسه 10 ملايين دولار كواحد من أخطر الإرهابيين منذ سنوات قليلة.
لا داع للدهشة إطلاقًا، فالشرع ابن شرعي لرؤية أمريكية دامت لعقود من الزمن، من مثله نفذوا سياسات أمريكا بحذافيرها واستخدمتهم الولايات المتحدة كبيادق على رقعة شطرنج قتلوا فيها الملك دون أن يظهروا في الصورة كلاعب يحرك عساكر أو فيلة، بل في بعض الأحيان شجبوا وأدانوا تلك الحركات ووقفوا حدادًا على الملك الذي قتل ودعوا إلى سلام كرهوه ووقف إرهاب وُلد من أرحامهم.
الجهاد في سبيل الشيطان
في نهاية سبعينيات القرن الماضي غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان، ولم يكن لأمريكا في سعيها الدائم نحو حكم العالم والسيطرة عليه إلا مواجهة السوفييت لمنع تقدمهم وتوسعهم، لكن دون التورط في أي معارك مباشرة تنذر بحرب عالمية، فما كان لهم إلا التفكير في بديل شرعي صورته حسنة، تحويل الحرب إلا معركة بين الشيوعية والإسلام، وجلب المسلمين من كل مكان في الوطن العربي لنصرة إخوانهم، ومن هنا بدأت رحلة الجهاد في سبيل الله الظاهرية، والجهاد في سبيل الشيطان في باطنها.
"لدينا فكرة عن إيمانكم العظيم بالله. ونحن على ثقة بأنكم ستنتصرون. تلك الأرض هناك هي أرضكم وسوف تعودون إليها في يوم من الأيام، لأن نضالكم سوف يسود، وستملكون بيوتكم ومساجدكم مرة أخرى". تلك كانت كلمات زبجنيو بريجينسكي، مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي جيمي كارتر في الفترة بين عامي 1977 و1981.
بريجينسكي قال كلماته تلك مخاطبًا المجاهدين الأفغان في أحد المعسكرات، لكن ما هو أخطر من الكلمات كانت العلاقة التي جمعته بالشاب السعودي المجاهد أسامة بن لادن.
ثمة صداقة جمعت الاثنين في بادئ الأمر، فظهر مهندس صناعة الإرهابيين الأمريكي رفقة أسامة بن لادن وبيديهما الأسلحة، وقدمت أمريكا كل شيء لأسامة بن لادن من أجل إزاحة الاتحاد السوفييتي وطرده من أفغانستان وتحجيم دوره، ومن هنا بدأت أمريكا تؤمن أن ما أسموه "اليمين الإسلامي" آنذاك هو عصاهم الطولى في دول العالم الإسلامي وسلاحهم في حروبهم غير المباشرة.
تشير بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت قرابة 20 مليار دولار لتدريب المجاهدين المسلمين في أفغانستان وتمويلهم وتسليحهم في سبيل السيطرة على البلاد وتفكيك الاتحاد السوفييتي، وهو ما تم.
فن صناعة الرعب وآلة العقاب
عكفت أمريكا لسنوات متعاقبة على استخدام الإعلام وصناعة السينما والدراما كسلاح فتاك يروجون به لأفكارهم ويرسمون به صورة ذهنية عن الولايات المتحدة ويرهبون به الأعداء.
وكان لأسامة بن لادن نصيب لا بأس به من ذلك السلاح، فروجوا له باعتباره أخطر شخص في العالم، القادر على الفتك بكل شيء وأي كيان، ولا هناك سبيل لردعه إلا الولايات المتحدة الأمريكية، التي ظلت تُعلن البحث عن الرجل الخطير، في الوقت الذي تبعث فيه بكاميرات ومراسلين لإجراء حوارات معه وترويج أفكاره عالميًا والحفاظ على وجوده كعصا وآلة عقاب إسلامية.
الرئيس الكوبي الأسبق فيدل كاسترو، كان له رأي بليغ في هذا الصدد، إذ قال وبحسم قبل سنوات، إن أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة جاسوس أمريكي استخدمته استخبارات الولايات المتحدة لترهيب العالم.
كاسترو عزز رأيه بما اطلع عليه من وثائق ويكليكس المسربة، والتي تشير إلى أن أمريكا حرصت على إظهار بن لادن إعلاميا للعالم في الوقت الذي يحتاجون فيه لإثارة الخوف والرعب في النفوس.
البغدادي.. ثاني أبناء أمريكا الإرهابيين
في مايو 2011 كان دور أسامة بن لادن قد انتهى، هرم الرجل وفقد كاريزمته وتمرد قبلها بسنوات على أبيه، فقتلوه بعدما انقصى عصره، وجاء الدور على الابن الثاني.
لم يكن إبراهيم عواد إبراهيم البدري، سوى مجرد عراقي وُلد في بغداد عام 1971. شاب لم يكن له نشاط سياسي أو جهادي، إلا أن ثمة تحول حدث له في مطلع الألفينات، حيث تبنى أفكار جهادية دون تطبيق فعلي، إلا أن غزو العراق دفعه إلى تأسيس جماعة جيش أهل السنة والجماعة، وبدأ حقبة جديدة في حياته، ترك إبراهيم وبدأ عصر أبو بكر البغدادي.
القوات الأمريكية لم الشاب الثلاثيني ينشط في جيش أهل السنة والجماعة، وألقت القبض عليه عام 2004، وسجنته في مركز اعتقال معسكر "بوكا" قرابة 10 أشهر. وهُناك بدأ الإعداد والتأهيل لخليفة بن لادن.
مدرسة إعداد الإرهابيين
أمريكا التي ارتكتب أبشع الجرائم في معتقلاتها بالعراق، وقتلت العشرات من الناشطين المسلحين، لم تفعل ذلك على الكل سواء، بل شهدت مراكز اعتقال تابعة لها معاملة مختلفة وتدريب خفي.
ليس هُناك معلومات مؤكدة عما حدث في مراكز اعتقال حظيت بالسرية الكاملة في العراق، لكن قليل من العقل والمنطق كافيان لتحليل أشياء تجلت كالشمس.
سجن "بوكا" ضم العدد الأكبر من الإرهابيين في العراق، غالبيتهم أخلي سبيلهم بعد عدة أشهر أو في أسوأ تقدير قبل عامين، أبرزهم اسما هو أبو بكر البغدادي، وكأن السجن مدرسة لإعداد الإرهابيين في منطقة الشرق الأوسط.
بحسب تقارير أجنبيه كان البغدادي يتنقل بحرية بين أروقة سجن "بوكا"، يخالط السلفيين الجهاديين ويناقشهم ويكون العلاقات معهم، وقبل أن تطلق أمريكا سراحه بعد وصفه "مصدر تهديد منخفض"، التقى بزملاء السجن وتجمع شملهم مرة أخرى، ولكن تلك المرة كان البغدادي وضعه مختلفًا.
استغل البغدادي علاقاتها داخل السجن، أو إتقان الدور الذي تدرب عليه إن جاز التعبير، فوطد علاقته بأبو مصعب الزرقاوي زعيم القاعدة في العراق، وأصبح عضوًا بارزًا التنظيم وتدرج في كل مستوياته، ثم سافر إلى سوريا لتولي مسؤولية الإشراف على الجهاز الدعائي للتنظيم، وبعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي عام 2006 وتولي أبو أيوب المصري مسئولية القاعدة، تم تشكيل تنظيم بمسمى"الدولة الإسلامية" أعلن ولاءه للقاعدة.
أصبح البغدادي عضوًا في مجلس شورى التنظيم، وفي عام 2010 أصبح أميرًا له، أي أنه خلال أقل من 6 سنوات بعد خروجه من سجن أمريكا، تمدد داخل التنظيمات الإرهابية حتى تولى قيادتها سريعًا.
البغدادي وسع نشاط تنظيم القاعدة تحت مرأى ومسمع الولايات المتحدة الأمريكية، وتم السماح له بتأسيس فرع في سوريا حمل اسم "جبهة النصرة"، والذي أسسه مساعده الوفي "أبو محمد الجولاني"، الذي يروجون له الآن باسم أحمد الشرع قائد المعارضة السورية.
وفي عام 2013 لم يعد لتنظيم القاعدة تأثير أو قوة، فكان لابد من محو ذكراه وخلق كيان جديد يكون أكثر رعبًا، فأعلن البغدادي تعديل اسم تنظيمه ليصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام، والتي عرفت اختصارًا "داعش".
وكررت الآلة الإعلامية الأمريكية نفس السيناريو الذي نفذته مع أسامة بن لادن، لكن تلك المرة دون أن يحاوره أحد، بل تركوه يرتكب كل الجرائم الممكنة وتسويقها إعلاميًا والسماح له بالتحرك بحرية بين العراق وسوريا بل واستقطاب المقاتلين من كل مكان بالعالم وتوزيعهم على بؤر الاستهداف الأمريكية سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا أو مصر. قبل أن يقتلوه أخيرًا بعد انتهاء دوره عالميًا وتحوله إلى عبء.
الشرع.. الابن الثالث بسيناريو مختلف
برز اسم أبو محمد الجولاني كقائد إرهابي فذ ومؤثر وقوي في ساحة العمليات السورية، فالشاب الهادئ الوسيم انضم للقاعدة تحت إمرة أبو مصعب الزرقاوي، وظل بها وجمعته بأبو بكر البغدادي علاقة قوية للغاية، فالاثنين تشابها في ظروف كثيرة.
الاثنان من عائلات لم يكن لها علاقة بالإرهاب يوما ما، والاثنين تعلما بشكل جيد، لكنهما في الوقت ذاته سجنا تحت قبضة أمريكا في العراق، إلا أن البغدادي لم يكمل العام، بينما مكث الجولاني 5 سنوات.
الاثنان عملا تحت قيادة الزرقاوي، والاثنان ذهبا من العراق إلى سوريا لبدء مرحلة جديدة من "الجهاد"، والاثنان أبطال تكوين جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والبغدادي انشق وأسس داعش، ورافقه صديق الدرب الجولاني، لكن مثلما كان مخططا للبغدادي تكوين تنظيم غير القاعدة، كان مخططا للجولاني الانشقاق وتكوين هيئة تحرير الشام.
لكن السيناريو الذي نفذ مع أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي، لا ينفذ مع أبو محمد الجولاني، فالقائد الإرهابي الآن لم يكتفوا بتصويره يعيش في عالم سري تحيط به الحراسة ويصعب الوصول إليه، بل يغير اسمه بشكل طبيعي ويعيد ترتيب لحيته وملابسه، وتسقط عنه صفة الإرهابي، فيصبح أحمد الشرع، لا القيادي في القاعدة وداعش، بل قائد المعارضة المسلحة ده نظام فاشي ومستبد، وكأنه جيفارا الشرق الأوسط.
فجأة تٌسقط أمريكا كل التهم والجرائم التي تلاحق الجولاني أو الشرع، ويتحول بآلة إعلامية ضخمة إلى مقاوم ومناضل وقائد ثوري، ليكون ذراع ذو وجه وخطاب وسمعة حسنة للولايات المتحدة الأمريكية، لا ينتهج مناهج الجهاد السلفي، بل كالإخوان يظهرون كيمين إسلامي وسطي، لكن أفكارهم الإرهابية وأجنحتهم العسكرية ينفذون كل المخططات، وهو ما نتلوه في الحلقات المقبلة.

أخبار ذات صلة
كواليس آخر 360 ساعة في حياة إيناس النجار.. لا سرطان ولا مرارة (خاص)
02 أبريل 2025 04:03 م
عمرو زكي.. رحلة البلدوزر من الصعود الصاروخي للسقوط المفاجئ
01 أبريل 2025 09:19 ص
مقتل خبير الصواريخ الحوثي.. تضارب بين البيت الأبيض والجيش الأمريكي
01 أبريل 2025 05:40 ص
السيسي الأبرز.. ظهور لافت لـ7 رؤساء مع الأطفال
31 مارس 2025 09:24 م
"إيلي شربيت".. رئيس "الشاباك" الجديد تظاهر ضد نتنياهو وانتقد ترامب
31 مارس 2025 05:40 م
عيد الفطر في الداخل الفلسطيني.. احتفالات تصدح رغم التحديات
31 مارس 2025 12:31 ص
بملابس العيد.. إسرائيل تقتل البراءة خلال التكبيرات
30 مارس 2025 11:44 م
هجوم مباغت.. أسرار جديدة عن أحداث 7 أكتوبر
30 مارس 2025 11:40 م
أكثر الكلمات انتشاراً