
بلغني أيها الملك السعيد
في تلك الليالي العابقة بالبخور، و الروحانيات حيث ينام الناس على أمل حكايةٍ تروى، أستيقظت الحروف من مرقدها في بطون الكتب القديمة، لتطل من نافذة الأثير، كانت شهرزاد ما تزال هناك، تنتظر أن يبعث صوتها من بين حواشي الصفحات، وحين جاء الموعد، لم يكن أحد يعلم أن ما سيقال في الراديو ذات ليلة من رمضان عام 1955، سيعيش لعقود، وسيصبح طقسا مقدسًا لا يفتتح الشهر الفضيل إلا به.
كان الموعد مع "ألف ليلة وليلة" التي بعثت للخلود، ولكن هذه المرة لم تكن في بلاط شهريار، بل في أروقة الإذاعة المصرية، حيث اجتمع ثلاثة: كاتب لا يهدأ، ومخرج يرى بالصوت، وامرأة بصوتها تُحيي الليالي، إنه طاهر أبو فاشا، ومحمد محمود شعبان "بابا شارو"، وزوزو نبيل
الحقيقة التي قد تغيب عن البعض، أن ألف ليلة وليلة لم تبدأ مع رمضان، بل ولدت قبل المذياع والتلفاز، على ألسنة الحكاواتية في المقاهي، وعلى أوتار الربابة في الحارات، حين كانوا يلتفون حول الراوي في ليالي رمضان، يشربون من نهر السرد العذب، ويغوصون في بحور الحكايات.
لكن قبل أن نفتح صندوق الأساطير، قبل أن يرفع ستار الخيال، وقبل أن نقف أمام شهرزاد العصر الحديث، علينا أن نعود للوراء، حيث بدأ كل شيء، حيث ولد الساحر الأول للحروف.
الحرف حين يصير ملكا
في عام 1908، ولد في دمياط طفل قدّره القدر لأن يكون حارسًا للخيال، لم يكن طاهر أبو فاشا كغيره من الصبية، كان يحمل عينين تلمعان ببريقٍ غامض، كأنهما تنظران إلى شيءٍ لا يراه الآخرون، تدرّب منذ صغره على التجارة وصناعة الأحذية، لكنه لم يكن يبيع الأحذية، بل يبيع الأحلام، يحيك من الكلمات نسيجًا تتراقص عليه الأرواح، يحوّل الخيال إلى لحن لا ينقطع.
دخل المعهد الأزهري، وهناك أُعطي مفتاح الحكاية، حفظ القرآن كاملاً، ثم غرق في الكتب التراثية، حتى صار عقله مخطوطًا متنقلاً، كأن الزمن قد علق به عبق الماضي، لم يكن يقرأ ليحفظ، بل ليحيا، ليبحث عن نغمة خاصة به، نغمة ستجعل الحكاية تخلد.
ألف ليلة وليلة" مشروعه الخالد، أعاد كتابتها بروح جديدة، منحها إيقاعًا شعريًا، وأضفى على شهرزاد سحرًا لم تكن تمتلكه من قبل، قرر طاهر أبو فاشا أن يمنحها صوتًا يليق بعظمة الحكاية، فاختار زوزو نبيل، التي لم تكن فقط تملك إرثا من الجمال والموهبة، بل كانت امرأةً تحمل في صوتها رهبة الملوك وحنان الأمهات، دهاء الساحرات وعذوبة العاشقات.
كواليس الأسطورة
بدأت الإذاعة المصرية لأول مرة في بث حلقات "ألف ليلة وليلة" في الخمسينيات، تحديدًا عام 1955، حيث قامت الراحلة زوزو نبيل بدور شهرزاد، وعبدالرحيم الزرقاني بدور شهريار، وتربى على سماعها الكثير والكثير من الأجيال.
كان تسجيل "ألف ليلة وليلة" أشبه بطقس سحري، يجلس طاهر أبو فاشا، يحمل أوراقه، يقرأ النص بصوت مرتجف، كأنه يستحضر أرواح ألف عام مضى، وكانت زوزو نبيل تجلس قبالة الميكروفون، تغمض عينيها، وتتحول إلى شهرزاد، إلى سيدة الحكايات، تسرد كأنها تعيش كل كلمة، والمخرج محمد محمود شعبان، الشهير بـ"بابا شارو"، يهب العمل حياةً عبر أثير الإذاعة المصرية.
أثر لا يموت.. حكايات تسكن كل بيت مصري
لستة وعشرين عامًا، ومئات الليالي، ظلت شهرزاد تروي، وشهريار يصغي، والمصريون ينتظرون، كانت مصر كلها تتوقف حين يدق جرس الحكاية، لم يكن أحد يجرؤ على مقاطعة هذا الطقس، كان الأمر يشبه السحر، أو ربما كان سحرًا حقيقيًا.
كانت بداية كل ليلة كأنها تعويذة سحرية “بلغني أيها الملك السعيد”
وحين تقول زوزو نبيل بصوتها الآسر "مولاي"، كان الرجال والنساء، الشيوخ والأطفال، يجلسون مأخوذين بهذا السحر، كأنهم شهريار جديد، وقع أسيرًا لحكايات شهرزاد.
المرأة التي حكت حتى أوجعتها الحكاية
في عام 1920،ولدت عزيزة إمام حسنين، التي لا تعرفها الدنيا إلا باسم زوزو نبيل، منذ طفولتها، كان صوتها أكبر من سنها، وأعمق من ملامحها، التحقت بالمسرح في سن مبكرة، وكان عليها أن تحارب، لأن الفن في ذلك الزمن كان دربًا وعراً للنساء، لكن زوزو لم تكن امرأةً تتراجع، كان بداخلها شيءٌ من شهرزاد الحقيقية، امرأة تعرف أن الحكاية هي سلاحها و صوتها سحرها.
كانت زوزو نبيل تملك نبرات تشبه المرايا القديمة، تحمل دفء الزمن وغموضه، تجعل المستمع يسافر بلا قدَم، قالت: "بلغني أيها الملك السعيد"، فاهتز الأثير، وسكنت البيوت.
لكن في حياتها الخاصة، لم تكن شهرزاد تروي الحكايات، بل كانت تعيشها، تزوجت في سنٍ صغيرة و انفصلت، وأنجبت نبيل، الذي صار شمسها الوحيدة، وحين كبر، صار ضابطًا في الجيش المصري ذهب للحرب في عام 1973، لكن.. لم يعد.
في يوم الانتصار، حيث كانت مصر بأكملها تحتفل، كانت هي تغرق في صمتٍ مميت، لم تبكِ كثيرًا أمام الناس، لكن في صوتها بعد ذلك، صار هناك شقٌ غائر، صار هناك وجع لا يزول، ومع ذلك، لم تتوقف عن الحكي، لأن شهرزاد لا تموت، حتى وإن انكسرت.
شهريار الذي صار حارسًا للحكاية
في الجانب الآخر، كان طاهر أبو فاشا قد بدأ رحلته مع الخسارة، فقد زوجته الحبيبة "نازلي" في عام 1979، وكأن جزءًا من روحه قد أُنتزع منه، ثم في بداية الثمانينيات، توفي ابنه فيصل، وازدادت العتمة في قلبه، لكنه لم يكن رجلاً يستسلم، كتب، وكتب، حتى صار قلمه مقاومته الوحيدة ضد الحزن، 800 حلقة كتبها للإذاعة، وكل ليلةٍ منها كانت صلاةً للحكاية وطبطبة للروح.
من الأثير إلى الشاشة.. ولكن السحر ظل صوتيًا
في عام 1984، قرر التليفزيون المصري أن ينقل "ألف ليلة وليلة" إلى الشاشة، كتبها هذه المرة المبدع أحمد بهجت، وأخرجها عبدالعزيز السكري، وقام ببطولتها نجلاء فتحي، وحسين فهمي.
نجح العمل، لكنه لم يُنسِي الناس الصوت الأول، لم يستطع أن يمحو زوزو نبيل من الذاكرة، وفي عام 1985، جاءت شريهان على شاشة التليفزيون بفوازير ألف ليلة وليلة، من إخراج فهمي عبد الحميد، لتعيد تقديم عالم شهرزاد بصريًا، و عاد معها طاهر أبو فاشا وزوزو نبيل حيث ظل الصوت الأول هو الأصل، هو النشوة الأولى، هو السحر الذي لم يتكرر.
لكن، وكما أن كل حكاية لها بداية، فلها أيضًا نهاية، وفي عام 1989، توقف قلم طاهر أبو فاشا عن الكتابة، أغمض عينيه للمرة الأخيرة، وترك وراءه لياليه، كأنها قناديل لا تنطفئ.
أما زوزو نبيل، فقد استمرت في الحكي، حتى جاء عام 1996، وأغلقت شهرزاد فمها للمرة الأخيرة.
الليلة الأخيرة.. حين يُصبح الفن حياة
مولاي، بعض الناس يمرون على الدنيا كما يمر الطيف، لا يتركون أثرًا، لا يضيئون ليلًا، لا يمنحون الأرواح شيئًا، لكن هناك من يأتون ليظلوا، حتى بعد الرحيل.
طاهر أبو فاشا لم يكن مجرد كاتب، كان صانع أحلام، كان رجلاً حمل ألف ليلة وليلة فوق كتفيه، حتى وصلت إلى كل قلب.
وزوزو نبيل لم تكن مجرد فنانة عظيمة، كانت تجسيدًا للصوت الذي لا يموت، للمرأة التي تحكي حتى آخر نفس، لأنها تعرف أن الحكاية وحدها هي ما يبقى.
اليوم، وبعد سنواتٍ من رحيلهما، لا يزال صوت شهرزاد يُسمع، ولا تزال الكلمات تُروى، لأن الفن العظيم، يا مولاي، لا يعرف الفناء.
وهنا ادركت شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

الأكثر قراءة
-
10 سيارات إسعاف إلى الطريق الأوسطي بأكتوبر.. ماذا يحدث؟
-
تحريات الأمن تكشف كواليس إلقاء شاب نفسه من الطابق الثامن بمول سيتي ستارز
-
اقتربت ساعة الحسم.. ليفربول يتوصل لاتفاق مع صلاح بشأن تجديد عقده
-
"ايده سبقته على القبر".. تصريح دفن ذراع العامل المصاب بسيرك طنطا (صور)
-
كواليس آخر 360 ساعة في حياة إيناس النجار.. لا سرطان ولا مرارة (خاص)

مقالات ذات صلة
بوحٌ| ليلة العيد.. حين تسكن الأرواح بين الوداع واللقاء
30 مارس 2025 07:41 م
بَوحٌ| رحلة في نور ليلة القدر.. في محراب عمرو بن العاص
27 مارس 2025 02:51 م
بوح| ربُّ الكون يريد قلبك.. في أدب الدعاء
24 مارس 2025 06:07 م
بوح| اليُتمُ النوراني: كيف صاغت حكمة الله قلب نبيه؟
21 مارس 2025 02:47 م
أكثر الكلمات انتشاراً