الخميس، 03 أبريل 2025

02:43 ص

رضوى رحيم
A A

بوح| كن أنت.. تجلٍّ للحقيقة أم طريقٌ للخلاص؟

يولد الإنسان في هذا العالم كما تولد النجوم، محاطًا بعوالم من التأثيرات، محاصرًا بأصوات الآخرين، وأفكارهم، وتوقعاتهم، حتى يكاد يتماهى معهم، فينسى جوهره الأول، ذلك النور الأولي الذي كان متقدًا فيه قبل أن تفسده محاولات التكيّف والتشابه. ومن هنا، تتجلى أعظم المآسي الإنسانية: أن يعيش الإنسان حياة غير حياته، أن يكون ظلًّا لأحد، أو انعكاسًا لآخر، دون أن يدرك أن الخلاص الوحيد هو أن يكون ذاته، مجرّدًا من أقنعة الزيف، عاريًا من المجاملات الوجودية.

الذات في مواجهة المرايا

يتحرك البشر كما الأمواج في بحر الحياة، يصطدمون ببعضهم، يأخذ بعضهم من بعض، لكن القليل منهم من يملك القدرة على أن يكون موجة مستقلة، تحمل طابعها الخاص، دون أن تُغرقها تيارات المحيط. وهنا يأتي السؤال: هل بإمكان الإنسان أن يكون نفسه تمامًا في عالم يصرّ على قولبته وفق معايير جماعية؟

الجواب، كما في كل الأمور العميقة، يكمن في التوازن. فالصوفيّ، على سبيل المثال، لا يعتزل العالم ليهرب منه، وإنما ليراه بوضوح أكبر. يبتعد خطوةً ليُدرك أن ما يفعله الناس هو انعكاس لذواتهم، لا لذاته. فلا يتورط في لعبة التقليد، ولا ينغمس في صخب التوقعات، بل يكون هو، في حالة صافية من الوجود، كما أراده الله أن يكون.

هل في أن تكون "أنت" شيءٌ من الأنانية؟

كثيرًا ما يخلط الناس بين التفرد والأنانية، بين أن تكون ذاتك، وبين أن تتجاهل الآخرين. ولكن الحقيقة أن الإنسان كلما اقترب من ذاته الحقيقية، ازداد نورًا للآخرين. أن تكون نفسك لا يعني أن تنعزل، بل أن تكون واضحًا، بلا تصنّع، بلا زيف، بلا محاولةٍ لإرضاء الجميع على حساب روحك.

إن أكبر ظلم يمارسه الإنسان على نفسه هو أن ينسلخ من ذاته ليحاكي الآخرين. أن يلبس الأقنعة حتى ينسى ملامحه الأصلية. فالطائر لا يخجل من فرد جناحيه، والماء لا يعتذر عن جريانه، والشمس لا تستأذن قبل أن تشرق. كذلك الإنسان، عليه أن يكون كما هو، كائنًا متفرّدًا، له شغفه الخاص، ومصيره الخاص، ومسيرته التي لا تتكرر.

الخلاص في البساطة

حين قال شمس التبريزي: "لِتكُنْ بسلامٍ في كلِّ الأحوال؛ فقط كُن أنت." لم يكن يدعو إلى التمرد لأجل التمرد، بل كان يذكّر بحكمة أزلية: السلام لا يأتي من الخارج، بل من الداخل، من التصالح مع الذات، من عيش الحياة وفق حقيقتك لا وفق توقعات الآخرين.

فلتكن أنت، كما خلقت، وكما أرادت روحك أن تكون ، لا تكرر ظلال الآخرين، ولا تكن مرآةً تعكس ما حولها دون وعي. ففي النهاية، لن يسألك الله لماذا لم تكن مثل غيرك، بل سيسألك: لماذا لم تكن أنت؟

search