الخميس، 03 أبريل 2025

11:46 م

سامح مبروك
A A

الشيخ - باسم - حسني.. خارج حدود الأدب

في عزاء العم (مجاهد)، تلك الشخصية المجهولة التي لم تظهر على الإطلاق على الشاشة، اجتمع أهل الحارة لتقديم واجب العزاء والاستماع إلى بعض آيات القرآن الكريم.
وفي إحدى الاستراحات ما بين فقرات التلاوة، غفل صبي الصوت عن إغلاق الميكروفون، وتصادف هذا أثناء وجود الشيخ حسني، الرجل الضرير المتمرد على إعاقته، بل الذي يحاول إنكارها بالكلية، يعيش حياته وكأنه مبصر. ووسط تجمع بعض أهالي الحارة في العزاء، وجد الشيخ حسني الفرصة لإثبات (نظره الثاقب) وعلمه ببواطن أمور الحارة رغم إعاقته، وبدأ يتحدث عن أدق تفاصيل وأسرار سكان الحارة.

وبالطبع، لم يكن أحد من الحضور يعلم أن الميكروفون تُرِك مفتوحًا، ليكون هذا الحوار الخاص، الذي طالت أطرافه (الهرم) وعلاقته الآثمة بزوجة صديقه، وهروب زوجة الصائغ (سليمان) بسبب بروده العاطفي، حتى ابن الشيخ حسني ذاته لم يسلم من فضح بعض من أسرار حياته وعلاقته (بفاطمة)، لتتحول تلك الجلسة الخاصة، التي احتوت على تلك الأسرار شديدة الحساسية، إلى أول بودكاست في تاريخ السينما العالمية.

كان هذا أحد المشاهد التاريخية الخالدة في تاريخ السينما المصرية، في فيلم (الكيت كات) عام 1991، للمخرج الكبير الراحل (داوود عبد السيد)، والمأخوذ عن رواية (مالك الحزين) للأديب الراحل (إبراهيم أصلان). 
تلك الرواية الأيقونية في الكوميديا السوداء، تجسد التمرد على المعاناة والإعاقة والفقر في قالب فكاهي ساخر.

وربما تكون الكوميديا السوداء فصلًا يوميًا من فصول الحياة، خاصة في مجال الإعلام الرياضي، فكل يوم تخرج علينا إحدى الشخصيات المعاقة، التي تحاول أن تتمرد على إعاقتها بليّ الحقائق وترديد الأكاذيب والافتراءات، سعيًا وراء أضواء خفتت، أو صيت اندثر، أو فرص في النجاح انعدمت وسط تلال من الفشل.

فخلال اليومين الماضيين، وفي عشية الصخب الدائر حول العم (مجاهد)، الجندي المجهول في إدارة كرة القدم المصرية، تمامً كالعم مجاهد في الفيلم، كان (الشيخ باسم حسني).. عذرًا، أقصد اللاعب السابق (باسم مرسي).

حقيقةً لم أعد أتابع، أهو لاعب حالٍ أم سابق؟ على العموم، كان ضيفًا في "بودكاست" من المفترض أن يكون رياضيًا، فخرج علينا اللاعب، صاحب القدرات المحدودة في الملعب أو خارجه، بحزمة من التصريحات الكارثية، التي تسيء إلى شخصه قبل أي شخص أو كيان آخر.

فتارةً ينال من النادي الإسماعيلي وجماهيره، وأخرى من مجمل المدربين المصريين، ثم يأتي - لغرض ما في نفسه - على واحد من الشخصيات التي لا يختلف عليها متابع واحد لكرة القدم المصرية، رجل شهدت له جماهير غريمه قبل فريقه بدماثة الخلق والكفاءة والإبداع كلاعب وكمدرب، واحد من المدربين المعدودين الذين حصلوا على بطولة مع نادٍ محلي بعيدًا عن الأهلي والزمالك، الرجل الخلوق (عبد الحميد بسيوني).

هنا نستحضر من جديد الشيخ حسني (الكفيف) الذي تمرد على إعاقته، وحاول إثبات عكسها بتصرفات غير منطقية في إطار كوميدي.

نجد لاعبًا محدود الموهبة، ذهبت منه الأضواء، وشهرته في النزع الأخير، وجد الفرصة في جلسة السمر تلك، أو العزاء، أو هذا الطهور - أيًّا ما كان - في رسم هالة من الأهمية حول شخصيته التي تفتقدها، بإثارة الجدل، والطعن في بعض الشخصيات والكيانات، ولا مانع من الحديث عن بعض الفضائح، تمامًا كالشيخ حسني.

وهنا تتجلى عبقرية الفنان الراحل (محمود عبد العزيز) في تجسيد تلك الحزمة من العقد النفسية، من الحقد والكره والحسد والتمرد، في شكل كوميدي ساخر، في محاكاة إبداعية للبودكاست قبل ظهوره بعقود.

ولكن يا صديقي، وعلى الرغم من الإنكار الجمعي لتلك التصريحات، فلا تستغرب إن وجدت الشخص ذاته من جديد ضيفًا على موائد زبانية الإعلام الرياضي يومًا بعد يوم، بحثًا عن الريتش وتصدر التريند، فما زال "الهجّاص" والمدلِّس والكاذب والنصاب ضيوفًا دائمين على ذات الموائد، لينهشوا بشراهة من ميتة إخوانهم وأصدقائهم في ذات المجال، ونحن نتفرج.

وعلى الرغم من أن الدولة، بإعادة هيكلة المجلس الأعلى للإعلام، وبتلك القيود الصارمة الذي فرضها على كل القنوات والمنصات، إلا أننا لا ننفك نشاهد المزيد من هذا السخف، وبشكل يومي.

وأعتقد أن المسؤولية في هذا الإطار لا تقتصر على الدولة أو المؤسسات فحسب، بل تطال بالتأكيد جميع الشركاء من إعلاميين وقنوات ومنصات، من المفترض أن يقوموا بإعلاء ميثاق العمل الإعلامي والأخلاق فوق "الريتش".

المشاهدون والجماهير يجب أن يتعففوا عن متابعة مثل هذه النماذج المعاقة، ولنتحد جميعًا في وجه هذا النوع من الإعلام الذي أصبح بالفعل "خارج حدود الأدب".

search